الطبراني
378
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قائما إذا بقي أثر العلّة ، أو كان في شدة معيشة أو غيرها ، فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ ؛ رفعنا ما كان به من الشدّة استمرّ على الإعراض عن شكرنا ما أنعمنا عليه في كشف الضرّ عنه ، مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ ؛ قطّ ؛ أي كأنّه لم يمسّه ضرّ ، وكأن لم نكشف الضرّ عنه . قوله تعالى : كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 12 ) ؛ في الشّرك من الدعاء في الشدّة ، وترك الدعاء في الرّخاء ، فاغترّوا بما زيّن لهم . قوله تعالى : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ؛ أي ولقد أهلكنا الأمم الماضية من قبلكم حين كفروا ، وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ؛ بالدلالات الواضحات ، وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ؛ فيه بيان أنّ اللّه تعالى إنما أهلكهم ؛ لأنه كان المعلوم من حالهم أنه لو أبقاهم أبدا لأدبروا ولم يؤمنوا ، ولو كان في بقائهم صلاح لهم ولغيرهم لأبقاهم . وقوله تعالى : كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ( 13 ) أي هكذا نجزي القوم المشركين ، نهلكهم كما أهلكنا الأوّلين . قوله تعالى : ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ( 14 ) ؛ أي ثم أسكنّاكم الأرض من بعد الأوّلين لنجازيكم على ما تعملون من الخير والشرّ ، ونشاهد هل تعتبرون بما صنع بالأوّلين أم لا ؟ وهذا على التهديد ؛ أي إن عاملتكم مثل معاملتهم أهلكتكم كما أهلكتهم . وإنما قال ( لننظر ) ؛ لأنه سبحانه يعامل العبد معاملة المختبر الذي لا يعلم الشيء حتى يكون مظاهرة في العدل ، وأنه إنما يجازي العباد على أعمالهم لا على علمه فيهم ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : [ إنّ الدّنيا حلوة خضرة ، وإنّ اللّه مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون ] « 1 » ، قال قتادة : ( وذكر لنا أنّ عمر رضي اللّه عنه قال : صدق ربّنا ما جعلنا
--> ( 1 ) أخرجه الطبراني في الكبير : ج 24 ص 181 : الحديث ( 577 - 589 ) عن خولة بنت قيس ، وفيه : [ إنّ الدّنيا خضرة حلوة ، فمن أخذها بحقّها بارك اللّه له فيها ، وربّ متخوّض في مال اللّه ورسوله فيما اشتهت نفسه له النّار يوم القيامة ] ، وإسناده حسن صحيح . وأخرجه ابن حبان في موارد الضمآن : الحديث ( 802 ) ، وفي الصحيح : كتاب الجنائز : الحديث ( 2892 ) .